الأحد ٠١ / نوفمبر / ٢٠٢٦
من نحن اتصل بنا التحرير
×
الموجز
logo مصر تستعد لإطلاق النسخة الأولى من منتدى البرلمانيين الشباب العربlogo تراجع معظم بورصات الخليج والمؤشر القطري يسجل مكاسب قياسيةlogo لندن - موسكو: أوبك+ تثبت إنتاج النفط في ديسمبر المقبلlogo مصر تعزز حضورها الدولي بافتتاح مقر مجلس المطارات الإفريقي بالقاهرةlogo مصر تطلق النسخة الثالثة من خطة المساهمات لمواجهة التغيرات المناخيةlogo البنك الدولي يدعم مصر بمليار دولار لتعزيز الاقتصاد والتنمية المستدامةlogo مصر تتحرك لتعزيز كفاءة الإنفاق والحوكمة داخل الاتحاد الأفريقيlogo مصر تطلق منظومة رقمية لتسريع الموافقات البيئية ومتابعتها لحظياًlogo مصر توظف أبحاث الطاقة الذرية لتعظيم القيمة الاقتصادية للخامات المحليةlogo تعاون مصري صيني لتعزيز قدرات التصنيع الرقمي وإنتاج قطع الغيارlogo مصر تستعد لإطلاق النسخة الأولى من منتدى البرلمانيين الشباب العربlogo تراجع معظم بورصات الخليج والمؤشر القطري يسجل مكاسب قياسيةlogo لندن - موسكو: أوبك+ تثبت إنتاج النفط في ديسمبر المقبلlogo مصر تعزز حضورها الدولي بافتتاح مقر مجلس المطارات الإفريقي بالقاهرةlogo مصر تطلق النسخة الثالثة من خطة المساهمات لمواجهة التغيرات المناخيةlogo البنك الدولي يدعم مصر بمليار دولار لتعزيز الاقتصاد والتنمية المستدامةlogo مصر تتحرك لتعزيز كفاءة الإنفاق والحوكمة داخل الاتحاد الأفريقيlogo مصر تطلق منظومة رقمية لتسريع الموافقات البيئية ومتابعتها لحظياًlogo مصر توظف أبحاث الطاقة الذرية لتعظيم القيمة الاقتصادية للخامات المحليةlogo تعاون مصري صيني لتعزيز قدرات التصنيع الرقمي وإنتاج قطع الغيار

​د. علي مبارك يكتب: صناعة الوعي في زمن الحروب والشائعات

​د. علي مبارك يكتب: صناعة الوعي في زمن الحروب والشائعات

في زمنٍ تحولت فيه المعلومة إلى سلاح، وأصبح الفضاء الرقمي ساحةً مفتوحة لاختراق العقول وتوجيه الشعوب، لم يعد التحدي في كيفية الوصول إلى الخبر، بل في القدرة على تمييز الحقائق من بين ركام التضليل والشائعات. إننا نعيش صراعاً غير محتدم بالأسلحة التقليدية فحسب، بل بالكلمة والصورة والرواية المحرفة، مما يجعل من "صناعة الوعي" قضية وجودية ومسؤولية حتمية لحماية الفرد والمجتمع من حروب الجيل الجديد.

​تحتل الأخبارُ في عصرنا الحديث مكانةً مركزية لا غنى عنها؛ فهي شريان الحياة الذي يربط شعوب المعمورة، والنافذة التي يطل من خلالها الإنسان على محيطه الإقليمي والدولي ليطلع على ما يدور حوله من تحولات. فالخبرُ ليس مجرد سرد عابر للمعلومات، بل هو المادة الأساسية لصناعة الوعي وبناء المواقف. ولعل في التوجيه النبوي الشريف أعمق دلالة على الارتباط الوجداني والمسؤولية الجماعية؛ حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم». ومن هذا المنطلق، فإن متابعة ما يُنشر وتتداوله المنابرُ العالمية ليس ترفاً فكرياً، بل هو فريضة وعي وضرورة أمنية وأخلاقية تفرض على الإعلامي والمتابع على حدٍّ سواء تبنّي أعلى معايير النزاهة والموضوعية.

​وفي المقابل، تحولت الساحة الإعلامية العالمية في كثير من محطاتها إلى ميدانِ حربٍ نفسية وتوجيهٍ ممنهج للرأي العام عبر آليات تضليلٍ متعددة تهدف إلى تزييف الحقائق. وتتنوع صور هذا التضليل بين الأخبار الكاذبة المختلقة كلياً والتي لا تستند إلى أساس واقعي، والأخبار المحرفة التي تعتمد على اجتزاء الحقيقة من سياقها الزمني والمكاني لتخدم أهدافاً مغايرة، بالإضافة إلى الشائعات مجهولة المصدر التي تُبث عمداً في الأوقات الحرجة لكسر الجبهات الداخلية، فضلاً عن سياسة الانتقائية وحجب الحقائق عبر التركيز على جانبٍ محدد من المشهد وتعمّد تغييب أجزاء جوهرية أخرى فيما يُعرف بـ «صناعة الرؤية العوراء».

​وعلى الجانب الآخر، تكمن قوة الأخبار الصادقة في قدرتها على تنمية بيئة مجتمعية سليمة ومستقرة؛ فالشفافية والصدق هما الركيزتان اللتان تبنيان ثقة المواطن بمؤسساته، وتؤديان إلى تمكين صانعي القرار والجمهور من اتخاذ قرارات رشيدة مبنية على معطيات واقعية، وإرساء قواعد المشاركة الواعية البعيدة عن التضليل، وتحصين العقول ضد الاستقطاب الفكري والنفسي.

​ولقد وظفت القوى الكبرى والكيانات الاحتلالية التضليل الإعلامي كاستراتيجية هجومية في صراعاتها المعاصرة. فعلى مدار العقود الماضية، استخدم الكيان الصهيوني آليات التضليل الممنهج في حروبه ضد الشعب الفلسطيني، ولبنان، وإيران، والمنطقة العربية بصفة عامة، بهدف تبرير العدوان وقلب الحقائق، لصياغة سردية كاذبة تجعل من الضحية جلاداً ومن المحتل مدافعاً. وتكرر هذا النهج بوضوحٍ جليّ في الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وكذلك في الحرب الأمريكية على العراق وأفغانستان، وصولاً إلى المعارك الإعلامية الكبرى المرافقة للحرب الروسية الأوكرانية؛ حيث كان التضليل الإخباري السلاح الأسهل والأشد فتكاً لتوجيه الرأي العام العالمي عبر شبكات ضخمة من البروباغندا الموجهة.

​ولا تنحصر هذه الفوضى المعلوماتية في إرادة الفاعلين السياسيين فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى البيئة الرقمية ذاتها؛ إذ تتحمل شبكات التواصل الاجتماعي وشركات التقنية الكبرى مسؤولية أخلاقية وقانونية جسيمة. فقد أسهمت خوارزميات الاستقطاب، المصممة لزيادة التفاعل على حساب الحقيقة، في تضخيم الروايات الزائفة وإيصالها لملايين المستخدمين قبل تمحيصها، مما يُفرغ العمل الإعلامي من محتواه الأخلاقي ويجعله رهيناً للأرباح والمواجهات الرقمية.

​وأمام هذه التحديات المعقدة، أصبحت مهارة التمحيص والتدقيق الإخباري ضرورةً ملحة لكل متابع لتمييز الغثّ من الطيب. وتتحقق هذه المهارة عبر فحص المصادر والإسناد للتأكد من اعتماد الأخبار على وكالات رسمية ومراسلين معروفين، والتحقق من السياق الأصلي عبر تقنيات البحث العكسي عن الصور لكشف تاريخ النشر الحقيقي، ورصد نبرة الخطاب لتجنب العناوين الانفعالية المتحيزة، ومقارنة التغطيات بين الوسائل الإعلامية الرصينة، فضلاً عن الاستعانة بمنصات التحقق الرقمية وأدوات الذكاء الاصطناعي لكشف الوسائط المصنوعة تقنياً.

​إن الأضرار الجسيمة التي لحقت بالرأي العام العالمي جراء هذا السيل المتدفق من التضليل تستوجب وقفة جادة؛ لا تقتصر على الجهود الفردية، بل تمتد لتصبح مشروعاً وطنياً يهدف إلى دمج مهارات "التربية الإعلامية والرقمية" في المناهج التعليمية والمؤسسات الثقافية لإعداد أجيالٍ محصنة. إن حماية وعي الشعوب تقتضي منا اليوم أكثر من أي وقت مضى إخلاص الإعلام في نشر الحقيقة، وتسلّح المتلقي بالحس النقدي؛ فالكلمةُ أمانة، والوعيُ هو الحصن الأول للأمة في مواجهة حروب التزييف والشائعات.


     بقلم: د. علي مبارك

خبير الإعلام والإدارة - المستشار السابق بالهيئة الوطنية للإعلام