الإثنين ٠٣ / أغسطس / ٢٠٢٦
من نحن اتصل بنا التحرير
×
الموجز
logo مدبولي يبحث مع وزير البترول خطة تأمين الطاقة وتنمية الاكتشافاتlogo الرئيس السيسي وملك البحرين يؤكدان دعم السلام واستقرار المنطقةlogo مصر والصين تبحثان توسيع التعاون في الصناعة والطاقة والتكنولوجياlogo مصر تطلق بوابة إلكترونية للبنوك المركزية لدعم الاستقرار المالي الإفريقيlogo كجوك: القطاع الخاص يقود النمو والاستثمار الأجنبي يتجاوز 13 مليار دولارlogo الرئيس السيسي يشدد على تحقيق الاكتفاء الذاتي من السلع الاستراتيجيةlogo هزة أرضية عنيفة بقوة 5.9 درجة يشعر بها سكان القاهرة والمحافظاتlogo مدبولي يبحث مع وزير البترول خطة تأمين الطاقة وتنمية الاكتشافاتlogo الرئيس السيسي وملك البحرين يؤكدان دعم السلام واستقرار المنطقةlogo مصر والصين تبحثان توسيع التعاون في الصناعة والطاقة والتكنولوجياlogo مصر تطلق بوابة إلكترونية للبنوك المركزية لدعم الاستقرار المالي الإفريقيlogo كجوك: القطاع الخاص يقود النمو والاستثمار الأجنبي يتجاوز 13 مليار دولارlogo الرئيس السيسي يشدد على تحقيق الاكتفاء الذاتي من السلع الاستراتيجيةlogo هزة أرضية عنيفة بقوة 5.9 درجة يشعر بها سكان القاهرة والمحافظات

​بين الطب والشرطة والإعلام والقضاء.. متى تنتهي فوضى الانتحال؟

 ​بين الطب والشرطة والإعلام والقضاء.. متى تنتهي فوضى الانتحال؟

عادل خفاجي يكتب:

​في السنواتِ الماضيةِ، كانت تطالعنا الصحفُ بقضايا النصبِ والاحتيالِ على استحياءٍ، ولكن مع تغلغلِ الثورةِ الرقميةِ وانتشارِ وسائطِ التواصلِ الاجتماعيِّ، انكشفَ المستورُ وظهرت قضايا الانتحالِ والنصبِ في اتجاهاتٍ شتى.

فلم يعد انتحالُ الصفةِ مجردَ حيلةٍ جنائيةٍ فرديةٍ لاستغلالِ ضحيةٍ أو تحقيقِ مكسبٍ ماليٍّ سريعٍ، بل تطورَ ليصبحَ ظاهرةً مجتمعيةً ونفسيةً حادةً؛ إذ تتشابكُ الدوافعُ الماديةُ والوجاهةُ الكاذبةُ مع اضطراباتٍ نفسيةٍ كـ "هوسِ العظمةِ" والعيشِ داخلَ كذبةٍ يصدقها صاحبها.

وامتدت الظاهرةُ لمؤسساتٍ حيويةٍ؛ فبين المعاطفِ البيضاءِ للمستشفياتِ، ومنصاتِ المحاكمِ، وأروقةِ الصحافةِ، والشاشاتِ، وحتى الزيِّ الشرطيِّ، باتَ المنتحلونَ يخلقونَ لأنفسهم عوالمَ موازيةً وموثقةً عبر المنصاتِ الرقميةِ، مستغلين ثغراتِ المظهرِ العامِ والغطاءِ الرقميِّ، ومستفيدينَ من غيابِ الرقابةِ المجتمعيةِ والرسميةِ لمنصاتِ التواصلِ التي تمنحُ العلاماتِ التوثيقيةَ والإعلاناتِ الممولةَ دون تحققٍ مهنيٍّ.

​لقد باتت الجرائمُ المنتحلةُ للمناصبِ القضائيةِ والأمنيةِ الأكثرَ خطورةً؛ لما تشكلهُ من مساسٍ مباشرٍ بهيبةِ الدولةِ وثقةِ المواطنِ. ولعلَّ واقعةَ "قاضي مجلسِ الدولةِ المزيفِ" مثلت ذروةَ الجرأةِ؛ إذ وثقت مقاطعُ مصورةٌ وجودَهُ داخلَ قاعةِ إحدى المحاكمِ بالرداءِ القضائيِّ الرسميِّ، قبلَ أن تكشفَ الأجهزةُ الأمنيةُ استخدامهُ لبطاقاتٍ ومحرراتٍ مزورةٍ للتربحِ والنصبِ وتتمَ إحالتهُ للمحكمةِ الجنائيةِ.

ويوازيها خطراً ظاهرةُ "المأذونِ المزيفِ" التي تكررت عبر إدارةِ دفاترِ زواجٍ وهميةٍ غيرِ مقيدةٍ بأحوالٍ مدنيةٍ، مما أبطلَ عقوداً وشردَ أُسَراً. ولم يتوقف التعدي عند محرابِ العدالةِ، بل امتدَّ ليتخذَ من هيبةِ الشرطةِ ستاراً؛ كضبطِ وزارةِ الداخليةِ لتشكيلٍ عصابيٍّ نصبَ كميناً أمنياً وهمياً على طريق (الإسكندرية/القاهرة الصحراوي) بميكروباص وأقماعٍ وأسلحةِ صوتٍ لاستيقافِ السياراتِ والاستيلاءِ على أموالِ السائقينَ وهواتفهم، وقضايا أخرى بمصرَ القديمةِ والشيخِ زايد لقيامِ متهمينَ بابتزازِ المواطنينَ بادعاءِ صفةِ "ضباطِ شرطةٍ".

​ولم تتوقفِ الظاهرةُ عند حدودِ السلطةِ، بل امتدت لتزهقَ الأرواحَ في القطاعِ الطبيِّ؛ حيث تحولَ الانتحالُ من مجردِ "نصبٍ" إلى "شروعٍ في قتلٍ".

فقد شهدت الأوساطُ الطبيةُ ضبطَ شخصٍ يمارسُ الطبَّ دون مؤهلٍ مديراً 7 فروعٍ لعياداتِ أسنانٍ، وخريجةِ حقوقٍ أنشأت مركزاً للتجميلِ والعلاجِ الطبيعيِّ بالشيخِ زايد، ناهيكَ عن واقعةِ "جراحِ القلبِ الوهميِّ" بوسطِ القاهرةِ.

وتجلت أبشعُ صورِ المتاجرةِ بآلامِ البسطاءِ في واقعةِ "الصيدليِّ المزيفِ" الذي ادعى علاجَ أمراضِ العظامِ والروماتيزمِ، عبر حملاتٍ إعلانيةٍ مدفوعةٍ بثتها العديدُ من القنواتِ الفضائيةِ بشكلٍ مكثفٍ بالمخالفةِ للقوانينِ، وادعاءِ الكشفِ "عن بُعدٍ" لبيعِ تركيباتٍ عشبيةٍ مجهولةٍ قبلَ انهيارِ إمبراطوريتهِ وصدورِ حكمٍ نهائيٍّ بسجنهِ.

​وفي موازاةِ ذلكَ، باتَ سوقُ الإعلامِ والصحافةِ مرعىً للمنتحلينَ لتزييفِ وعيِ الجمهورِ، وتجلى ذلك في "النقاباتِ الموازيةِ" واغتصابِ صفةِ الصحافةِ بإصدارِ كياناتٍ وهميةٍ بطاقاتِ عضويةٍ صحفيةً مقابلَ أموالٍ باهظةٍ. ويتزامنُ ذلك مع ظاهرةِ "مذيعي الفضائياتِ المؤجرةِ" من خلالِ شراءِ وقتِ البثِ بها، وظهورِ أشخاصٍ فيها كـ "خبراءَ ومستشارينَ" وغيرِهم بعد شراءِ فقراتِ تلك الحلقاتِ بالبرامجِ، بالمخالفةِ للقانونِ وبدونِ تصاريحَ.

وقد أسهمت الكياناتُ الوهميةُ في إثباتِ الصفاتِ الوظيفيةِ الوهميةِ ببطاقاتِ الرقمِ القوميِّ الرسميةِ، فاختلطَ الحابلُ بالنابلِ، لنجدَ أنفسنا أمامَ قنابلَ موقوتةٍ. كما تطالعنا الشاشاتُ بجيشٍ من الألقابِ البراقةِ ("دكتورٍ فخريٍّ"، "سفيرِ النوايا الحسنةِ"، وغيرها ) التي تُباعُ وتُشترى من مراكزِ تدريبٍ كغلافٍ ناعمٍ لمنحِ شرعيةٍ زائفةٍ.

ولم يقتصر الأمرُ على الشاشاتِ بل امتدَّ للشبكةِ العنكبوتيةِ عبرَ "الانتحالِ الرقميِّ" لخبراءِ التداولِ وخدمةِ العملاءِ لسرقةِ بياناتِ البطاقاتِ والسطوِ على المدخراتِ.
​لقد كانت الهيئةُ الوطنيةُ للإعلامِ سباقةً بقرارٍ حاسمٍ يلزمُ عدمَ تقديمِ لقبِ أيِّ ضيفٍ إلا بأوراقٍ رسميةٍ موثقةٍ ببطاقةِ الرقمِ القوميِّ.

وتتصدى القوانينُ لهذه الجرائمِ بحزمةِ نصوصٍ صارمةٍ كالمادتينِ (155 و156) عقوبات، وموادِّ قوانينِ النقاباتِ المهنيةِ الغارمةِ للغلقِ والعديدِ من العقوباتِ الأخرى.
​ولكن، متى تنتهي فوضى الانتحالِ جذرياً؟ إنَّ الإجابةَ تتطلبُ خارطةَ طريقٍ متكاملةً؛ تبدأ بتدشينِ ربطٍ إلكترونيٍّ موحدٍ وفوريٍّ بين مصلحةِ الأحوالِ المدنيةِ وقواعدِ بياناتِ النقاباتِ المهنيةِ لقطعِ الطريقِ على تزويرِ الصفاتِ الوظيفيةِ، وتغليظِ المساءلةِ القانونيةِ والماليةِ ضدَ المنصاتِ الرقميةِ والفضائياتِ التي تفتحُ أبوابها للمدلسينَ. ويبقى الوعيُ المجتمعيُّ هو الحصنَ الأولَ؛ فلا ينبغي الانخداعُ بالمظاهرِ والبدلِ الأنيقةِ، مع ضرورةِ التقصي عبرَ البواباتِ والتطبيقاتِ الرسميةِ للدولةِ والنقاباتِ قبلَ تسليمِ العقولِ أو الأجسادِ أو الأموالِ لأدعياءِ الصفاتِ.