الأربعاء ٠٤ / نوفمبر / ٢٠٢٦
من نحن اتصل بنا التحرير
×
الموجز
logo مصر تبحث تعزيز التعاون التجاري والاستثماري مع ليبيا وباكستانlogo مصر شريك رئيسي لبورصة لندن للسياحة لأول مرة في تاريخهاlogo مصر تستهدف تعزيز مشاركة القطاع الخاص وتعظيم الاستفادة من أصول الدولةlogo من الإسكندرية.. وزراء النقل العرب يبحثون مستقبل التعاون البحري واللوجستيlogo مصر والصين تبحثان تعزيز التصنيع والاستثمار وتوطين تكنولوجيات الطاقة المستدامةlogo مصر والسودان توقعان مذكرة تفاهم لتنفيذ مشروعات المياه وإعادة الإعمارlogo مدبولي يستعرض خطة لترشيد الإنفاق العام ومواجهة تداعيات التوترات الإقليميةlogo مدبولي يفتتح مركز الذكاء الاصطناعي لدعم تطوير الخطاب الديني بالأوقافlogo مصر تستعد لإطلاق النسخة الأولى من منتدى البرلمانيين الشباب العربlogo تراجع معظم بورصات الخليج والمؤشر القطري يسجل مكاسب قياسيةlogo مصر تبحث تعزيز التعاون التجاري والاستثماري مع ليبيا وباكستانlogo مصر شريك رئيسي لبورصة لندن للسياحة لأول مرة في تاريخهاlogo مصر تستهدف تعزيز مشاركة القطاع الخاص وتعظيم الاستفادة من أصول الدولةlogo من الإسكندرية.. وزراء النقل العرب يبحثون مستقبل التعاون البحري واللوجستيlogo مصر والصين تبحثان تعزيز التصنيع والاستثمار وتوطين تكنولوجيات الطاقة المستدامةlogo مصر والسودان توقعان مذكرة تفاهم لتنفيذ مشروعات المياه وإعادة الإعمارlogo مدبولي يستعرض خطة لترشيد الإنفاق العام ومواجهة تداعيات التوترات الإقليميةlogo مدبولي يفتتح مركز الذكاء الاصطناعي لدعم تطوير الخطاب الديني بالأوقافlogo مصر تستعد لإطلاق النسخة الأولى من منتدى البرلمانيين الشباب العربlogo تراجع معظم بورصات الخليج والمؤشر القطري يسجل مكاسب قياسية

عادل خفاجي يكتب: الإعلام الحقيقي وفوضى «المؤثرين»

عادل خفاجي يكتب: الإعلام الحقيقي وفوضى «المؤثرين»

​أثارت الضجة التي صاحبت مؤخرًا لقاء الدكتور ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام، ونقيب الصحفيين الأسبق ورئيس الهيئة العامة للاستعلامات الأسبق، نقاشًا يتجاوز حدود اللقاء وتفاصيله، ليمتد إلى قضية أكثر أهمية تتعلق بمفهوم الإعلام الحقيقي، ومعايير التأثير في عصر المنصات الرقمية، والفارق بين صاحب الرسالة الإعلامية الهادفة لبناء المجتمع، وصانع محتوى لا يعنيه إلا مكاسبه المادية المبنية على كثرة المشاهدات.

​وبدايةً، لا مجال للتشكيك في وطنية الدكتور ضياء رشوان أو تاريخه المهني والبحثي والسياسي؛ فهو شخصية تمتلك رصيدًا طويلًا من العمل الصحفي والفكري، وسبق أن أجريتُ معه حوارًا صحفيًا مطولًا قبل انتخابه نقيبًا للصحفيين في دورته الأولى عام 2013. كما أن تجربته مديرًا لمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، وعمله في المجالين الإعلامي والسياسي، يجعلان الحديث عنه حديثًا عن قامة لها تاريخ وحضور في المشهد العام.

​لكن القضية التي تستحق التوقف أمامها ليست شخصًا بعينه، وإنما التحولات التراكمية التي شهدها المشهد الإعلامي، بعدما أصبحت المنصات الرقمية مساحة مفتوحة أمام عشرات الآلاف من صناع المحتوى، الذين يُطلق على كثير منهم وصف «المؤثرين»، دون أن نكلف أنفسنا عناء تحديد طبيعة هذا التأثير، أو المجال الذي يتحركون فيه، أو الرسالة التي يقدمونها، أو حتى اتجاه الأثر الذي يمارسونه في المجتمع.

​فكلمة «مؤثر» ليست لقبًا عابرًا، ولا شهادة تقدير تُمنح لمجرد امتلاك صاحب الحساب ملايين المتابعين أو تحقيق مقاطع الفيديو نسب مشاهدة مرتفعة؛ لأن التأثير الحقيقي يرتبط بما يتركه الإنسان من بَصمة في عقول الناس وسلوكهم وقيمهم، وهنا يصبح السؤال الضروري: مُؤثِّرٌ في ماذا؟ وعلى مَن؟ وإلى أي اتجاه يقود جمهوره؟

​لقد برزت خلال السنوات الأخيرة أعداد ضخمة من صناع المحتوى عبر مختلف المنصات، ونجح بعضهم في تقديم نماذج إيجابية ومحتوى هادف ومفيد يستحق الدعم والتقدير. لكن في المقابل، انتشرت أنماط من المحتوى الهابط تنافس في سطحيتها ورداءتها «أفلام المقاولات» في تسعينيات القرن الماضي؛ بل إن بعضها تجاوز حدود الترفيه غير المفيد إلى الإساءة للقيم المجتمعية، وتسفيه العقول، وتقديم نماذج سلوكية لا تليق بالأجيال الجديدة.

​المشكلة ليست في أن يحقق شخصٌ شهرةً أو يربح من صناعة المحتوى، فذلك حق مشروع، كما أن التطور التكنولوجي أتاح فرصًا غير مسبوقة للتعبير والإبداع. لكن الخلل يبدأ عندما تتحول التفاهة إلى صناعة، والابتذال إلى وسيلة للانتشار، ويصبح المال والشهرة هما الغاية، بصرف النظر عن الثمن الذي يدفعه المجتمع.

​والأخطر من ذلك، أن بعض هذا المحتوى يُروج بصورة مباشرة أو غير مباشرة لفكرة الحصول على المال بأي طريقة، ويقدم الشهرة السريعة باعتبارها الطريق الأسهل للنجاح، بينما يجري تهميش قيمة التعليم والعمل الجاد والإنجاز الحقيقي. وهنا لا نتحدث عن اختلاف في الأذواق، بل عن معركة حقيقية لتشكيل وعي أجيال كاملة، وعن منظومة أخلاقية تتعرض لضغوط يومية من محتوى لا يُدرك أصحابه حجم المسؤولية التي يتحملونها.

​وهنا تبرز مسؤولية تكاملية لا تقف عند حدود الإعلام وحده، بل تمتد إلى الأسرة باعتبارها خط الدفاع الأول؛ فالرقابة الواعية والتوجيه الهادئ من الأهل يمثّلان دِرعًا واقيًا للأبناء في مواجهة سيول المحتوى الرقمي الجارفة. كما تبرز الحاجة إلى بلورة أطر مجتمعية وتشريعية منظمة تدعم المحتوى الهادف، دون أن تتحول إلى قيود تكبل حرية الإبداع.

​ومن ثم تتأكد أهمية التمييز بين الإعلام المهني وصناعة المحتوى، دون وضع الجميع في سلة واحدة. فالصحافة الرصينة تقوم على معايير صارمة؛ كالتحقق والمسؤولية والمصداقية، بينما تظل صناعة المحتوى مجالًا واسعًا تتفاوت أهدافه، ولا ينبغي أن يكون مجرد الانتشار معيارًا رئيسًا للحكم على جودته.

​نحن لا نحتاج إلى مصادرة التكنولوجيا، وإنما نحتاج إلى وعي مجتمعي يميز بين الغث والسمين، وإلى إعلام تقليدي يطور أدواته ولغته للوصول إلى الجمهور بفاعلية، بدلاً من الاكتفاء بالشكوى من تراجع دوره، وإلى خطاب يضع أمام الأجيال نماذج حقيقية للنجاح من العلماء والمفكرين والباحثين والمبدعين والعمال وأصحاب التجارب الملهمة.

​وفي النهاية، علينا أن نتوقف عن استخدام وصف «المؤثر» باعتباره لقبًا مطلقًا، وأن نحدد طبيعة الأثر؛ فهناك مُؤثِّرٌ يبني الوعي، وآخر يُميت العقول، وهناك من يصنع قيمة مضافة للمجتمع، ومن يحول التفاهة إلى سلعة رائجة.

​فليس كل مشهور صاحب رسالة، وليس كل صاحب ملايين المتابعين جديرًا بالتوجيه، والأهم أن ندرك أن معركة الإعلام الحقيقية لم تعد فقط في مَن يصل إلى الجمهور أولًا، وإنما في مَن يستطيع أن يترك في عقول الناس أثرًا يستحق البقاء.