الثلاثاء ٢٥ / أغسطس / ٢٠٢٦
من نحن اتصل بنا التحرير
×
الموجز
logo الحكومة تستعد لانطلاق المرحلة الثانية من المبادرة الرئاسية حياة كريمةlogo قناة السويس والمنظمة العربية تتعاونان لتطوير الإدارة والحوكمة والتحول الرقميlogo رئيس الوزراء ومحافظ المركزي يبحثان خفض التضخم وزيادة التدفقات الدولاريةlogo اقتصادية قناة السويس تعزز الشراكة الأمريكية لتطوير المواني والبنية التحتيةlogo مدبولي يتابع تحسن الاقتصاد وتوسع القطاع الخاص وتطوير المنظومة الضريبيةlogo الرئيس السيسي يوجه بتخفيف أعباء التعليم وربط الجامعات بأسواق العملlogo وزير التعليم: استعدادات مكثفة للعام الدراسي وتجديد نصف مليون مقعدlogo الحكومة تستعد لانطلاق المرحلة الثانية من المبادرة الرئاسية حياة كريمةlogo قناة السويس والمنظمة العربية تتعاونان لتطوير الإدارة والحوكمة والتحول الرقميlogo رئيس الوزراء ومحافظ المركزي يبحثان خفض التضخم وزيادة التدفقات الدولاريةlogo اقتصادية قناة السويس تعزز الشراكة الأمريكية لتطوير المواني والبنية التحتيةlogo مدبولي يتابع تحسن الاقتصاد وتوسع القطاع الخاص وتطوير المنظومة الضريبيةlogo الرئيس السيسي يوجه بتخفيف أعباء التعليم وربط الجامعات بأسواق العملlogo وزير التعليم: استعدادات مكثفة للعام الدراسي وتجديد نصف مليون مقعد

كيف ننتصر بالعقل للنجاة من فخ الفوضى؟

كيف ننتصر بالعقل للنجاة من فخ الفوضى؟

​بقلم: عادل خفاجي


​ثمة لحظات في حياة الأفراد، كما في مسيرة الأمم والمؤسسات، تباغتها مفاجآت فارقة تتطلب إعمال العقل وسرعة القرار؛ لئلا يتفاقم حجم الأزمة وتتحول إلى معضلة مستعصية.

​فالمشكلة الحقيقية تكمن غالباً في طريقة تفكيرنا ونحن في قلب الإعصار؛ ففي اللحظة التي يسيطر فيها الغضب على الوعي، تتحول الفوضى من حدث خارجي عابر إلى حالة نفسية مسيطرة، وعندها تبدأ الهزيمة الحقيقية.

​ولعلنا نتعلم مما نتابع شواهده في الدقائق الأخيرة من المواجهات الرياضية الكبرى؛ فما يحدث في تلك اللحظات الأخيرة ليس مجرد مشهد عابر، بل هو نموذج مصغر لكيفية تعامل الإنسان مع الأزمات.

​لقد تأملتُ الدقائق الأخيرة من مباراة منتخبنا الوطني أمام الأرجنتين، وتكرار السيناريو ذاته في مباراة الرأس الأخضر والأرجنتين في مونديال 2026 بأمريكا، ولم أرَ في تلك اللحظات مجرد صراع فوق عشب أخضر، بل رأيتها مسرحاً مصغراً للوجود الإنساني في مواجهة المِحَنِ.

​فحين يشعر الإنسان بالظلم، أو يفلت زمام الأمور من يده، يجد نفسه أمام ذلك الاختبار الأزلي: هل ينفق أنفاسه الغالية في التذمر ولعن الظلم، ومقاومة ما مضى وجف به القلم؟ أم يجمع شتات نفسه ليوجه طاقته كاملة نحو ما يملك القدرة على تغييره، مؤمناً بقدرته على الصمود واتخاذ القرار الصائب في ثوانٍ معدودة؟ هنا، عند هذا المفترق، تتمايز قدرات الرجال؛ فبينما تبتلع الأزمةُ المنفعلَ، يعلو القائد فوقها ليديرها.

​إن الفوضى ساحرة مخادعة، تسرق وعي الإنسان وهي توهمه بالثورة؛ تدفعه لمطاردة أشباح الماضي بدلاً من غرس بذور المستقبل، وتستنزف طاقته في الاحتجاج العقيم. والخدعة الكبرى للغضب، أنه يمنح صاحبه شعوراً زائفاً بالبطولة والحركة، بينما هو في حقيقته يستسلم لعدمه، ويفقد آخر خيوط التأثير.

​وفي وسط هذا الضجيج، تجد الحكمة في تقمص دور ذلك المدرب الذي يمسك بقلمه ليدوّن ملاحظاته بينما فريقه يتلقى الضربات. إنها فلسفة الثبات في قلب المحنة؛ ففي الوقت الذي يحدق فيه الجميع بيأس في لوحة النتيجة، يبحث هو عن "الخطوة التالية". لقد أدرك بوعي الحكماء أن الأهداف التي سكنت الشباك قد أصبحت جزءاً من الماضي، والماضي لا يتغير، لكن المستقبل —ولو كان دقائق معدودة— ما زال طوع بنانه؛ فالتبديل الفكري أو الإداري يمكن أن يصنع أثراً، والمناورة التكتيكية يمكن أن تفتح ثغرة للنجاة، والوقت المتبقي ما زال يحمل احتمالاً للفوز ولو كان ضئيلاً.

​هذا هو الترياق في قلب العاصفة؛ أن تسأل نفسك بسكون: "ماذا أملك وأستطيع أن أفعل الآن؟". هذا السؤال البسيط يملك مفعول السحر؛ إنه يطرد وساوس الشكوى ليحل محلها سرعة اتخاذ القرار، وينقل المرء من قفص الانفعال إلى رحابة التأثير.

​لسنا أرباب الأقدار، فليس كل ما يحدث لنا نملكه، ولكننا نملك دائماً قرارنا التالي، وخطوتنا التالية.

​أما أولئك الذين يقفون للبكاء على الأطلال، وينشغلون بما ضاع، فتضيع منهم أيضاً فرصة إنقاذ ما تبقى من الديار. وربما لهذا ندرك —ونحن نتابع نظرات كبار النجوم في اللحظات الحرجة— أن الفريق في وقت الأزمة يكون بحاجة ماسة إلى من يعيده لأجواء العطاء، لا إلى دائرة الجدال؛ فحين يطغى الانفعال، يصبح الماضي حضوراً مستبداً ينتزع من الوعي قدرته على التفكير الهادئ.

​وهنا يتجلى المعنى الحقيقي للقيادة؛ فالقائد ليس من يمحو الفوضى من العالم، فهذا مستحيل، ولكنه من يمنع الفوضى من أن تسكن عقول من يقودهم، فالقرار السليم لا يولد في أحضان الغضب.

​هذا الدرس يمتد عميقاً إلى مجالات الإدارة، والسياسة، والاقتصاد؛ فكم من مؤسسة تهاوت لأن قادتها انشغلوا بتبادل الاتهامات بدلاً من اجتراح الحلول، وسمحوا للانفعال أن يقود خطامهم بدلاً من العقل.

​إن أعظم أعمال العقل ليست في توقع الأزمات فحسب، وإنما في إدارة لحظاتها الأكثر حرجاً. فالتفكير الهادئ، واتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب، هما ما يحولان الفوضى من نهاية محتومة إلى بداية جديدة، فالفوضى لا تنتصر لأنها الأقوى، بل لأنها تنجح أحياناً في إقناعنا بأن نتوقف عن التفكير.

​ختاماً، إن المواقف الحياتية متشعبة ومتعددة، ينجح فيها دائماً من يُحسن قراءة المشهد ويتخذ القرار المناسب في وقته. وحتى لا نقع في فخ الخسارة، لا بد لنا من تنحية الانفعال جانباً، والاتكاء على العقل والمنطق؛ فالإنسان بوعيه أكبر من أي مشكلة، وكيف لا، وقد كرّم رب الكون بني البشر، وميّز الإنسان على جميع مخلوقاته بنعمة العقل والحكمة.