الأحد ٠٨ / نوفمبر / ٢٠٢٦
من نحن اتصل بنا التحرير
×
الموجز
logo مصر والبنك الإسلامي يضعان استراتيجية تعاون جديدة للفترة 2027-2031logo السيسي: التعليم والصحة أولوية.. ونحتاج آلاف النماذج مثل مجدي يعقوبlogo السيسي وموسيفيني يبحثان تعزيز التعاون المصري الأوغندي والتطورات الإقليميةlogo السيسي يوجه ببناء قاعدة بيانات دقيقة لدعم قرارات إدارة الأزماتlogo بغداد.. وزير النفط: إنتاج العراق يتخطى 5 ملايين برميل يوميًاlogo مصر وسلوفينيا تبحثان تعزيز الشراكة التجارية والاستثمارية بين البلدينlogo مصر.. انطلاق النسخة الثالثة للمهرجان العالمي لريادة الأعمال بمشاركة 70 دولةlogo مصر.. مدبولي يفتتح معرض القاهرة الدولى للتكنولوجيا ويعلن انطلاقة جديدةlogo مصر..شراكات استراتيجية وخدمات جديدة لدعم تنافسية قناة السويس عالميًاlogo مصر تبحث تعزيز التعاون التجاري والاستثماري مع ليبيا وباكستانlogo مصر والبنك الإسلامي يضعان استراتيجية تعاون جديدة للفترة 2027-2031logo السيسي: التعليم والصحة أولوية.. ونحتاج آلاف النماذج مثل مجدي يعقوبlogo السيسي وموسيفيني يبحثان تعزيز التعاون المصري الأوغندي والتطورات الإقليميةlogo السيسي يوجه ببناء قاعدة بيانات دقيقة لدعم قرارات إدارة الأزماتlogo بغداد.. وزير النفط: إنتاج العراق يتخطى 5 ملايين برميل يوميًاlogo مصر وسلوفينيا تبحثان تعزيز الشراكة التجارية والاستثمارية بين البلدينlogo مصر.. انطلاق النسخة الثالثة للمهرجان العالمي لريادة الأعمال بمشاركة 70 دولةlogo مصر.. مدبولي يفتتح معرض القاهرة الدولى للتكنولوجيا ويعلن انطلاقة جديدةlogo مصر..شراكات استراتيجية وخدمات جديدة لدعم تنافسية قناة السويس عالميًاlogo مصر تبحث تعزيز التعاون التجاري والاستثماري مع ليبيا وباكستان

علي مبارك يكتب:من يصنع الرأي العام في زمن الطوفان الرقمي؟

علي مبارك يكتب:من يصنع الرأي العام في زمن الطوفان الرقمي؟

​في ظل الانفجار المعرفي والتكنولوجي الذي يشهده العالم المعاصر، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية المحرك الأساسي لصياغة الوعي الجمعي وتوجيه الرأي العام. غير أن هذا التحول لم يخلُ من تحديات عميقة تمس جوهر الحقيقة والدقة العلمية؛ حيث اختلطت أصوات الخبراء والمختصين بضجيج العواطف والشائعات، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً حول حدود حرية التعبير في الفضاء الرقمي، والفرق بين حق المشاركة المجتمعية وضرورة الانضباط المعرفي للحد من الفوضى الرقمية دون المساس بحرية الرأي.

​لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد نوافذ افتراضية لتبادل أطراف الحديث أو مشاركة الصور الشخصية، بل تحولت مؤخراً إلى ساحة كبرى تُصنع فيها اتجاهات الرأي العام، وتُدار من خلالها العواطف وتُصاغ بها المفاهيم. ونحن اليوم نعيش في قلب «طوفان رقمي» لا يتوقف، حيث تتدفق المعلومات والآراء بالسرعة التي تتجاوز أحياناً قدرة العقل البشري والمؤسسات الرسمية على التحقق والتثبت.

​وفي ظل هذا الضجيج المتواصل، أجد نفسي كباحث ومتابع للمشهد الإعلامي والإداري أمام حقيقة لا مفر منها: نحن نعيش حالة عارمة من «فوضى الآراء»، حيث يتساوى الصوت الرصين المستند إلى الحقائق والبيانات مع الصراخ العشوائي، وتغيب بوصلة الحقيقة وسط ضباب الشائعات والمزايدات.

​إن المنظور المنصف للواقع يفرض علينا الإقرار بالمزايا الاستثنائية التي قدمها هذا النشر الرقمي للفضاء العام؛ فقد أحدث ثورة حقيقية بكسره لاحتكار الوسائل التقليدية من صحافة وتلفزيون، ومنح كل فرد صوتاً ومساحة للتعبير لم تتاح له من قبل. كما وفر هذا الفضاء تنفساً لحظياً للأخبار ونشراً فورياً للمعلومات يُبقي المجتمع على اطلاع دائم، إلى جانب أنه خلق بيئة تفاعلية ألغت السلبية التاريخية للمتلقي وأتاحت ديمقراطية معرفية تسهل الوصول إلى البيانات والمعارف دون عوائق جغرافية.

​لكن في المقابل، جاء هذا الانفتاح الهائل محاطاً بعيوب ومخاطر هيكلية جسيمة؛ فتدفق الكم غلب على الكيف، وغدت الإثارة الرخيصة والسطحية أكثر حظوة بالتفاعل والمشاركة من التحليل العلمي العميق. كما فتح النشر الرقمي الباب على مصراعيه لانتشار الأخبار الكاذبة والشائعات المضللة بسرعة الصاروخ، فضلاً عن ظهور ظواهر هدامة كالتنمر الإلكتروني، وتشكيل «فقاعات الصدى» التي تعزز التعصب الفكري، وصولاً إلى «اغتيال الشخصيات» الذي دفع العديد من العقول والخبراء للانسحاب والانزواء تجنباً للأذى والتشويه.

​ويظهر الخطر الأشد فداحة للنشر الرقمي العشوائي في تداعيات إقحام عواطف غير المتخصصين وتفاعلاتهم في القضايا الحساسة؛ فحين تتحول الملفات الكبرى ـ العلمية، والاقتصادية، والسياسية، والعسكرية، وحتى الفنية ـ إلى مادة للاستهلاك العاطفي والتخمين العشوائي، فإن الضرر الذي يلحق بالمجتمع يكون جسيماً. إن النقد غير القائم على المعرفة العلمية، ودون الإحاطة بالأرقام الدقيقة والأسس الموضوعية كما يراها العلماء والسياسيون والتنفيذيون، ينزلق بالرأي العام نحو استنتاجات مضللة وبلبلة مدمرة. إن الخوض في خطط الأمن القومي أو السياسات النقدية أو القرارات الإستراتيجية بمنطق «الانطباع الشخصي» يعطل مسار التنمية، ويشوه الحقائق، ويخلق حالة من الفوضى الذهنية التي تستنزف طاقات الدولة والمجتمع في تفنيد أوهام لا أساس لها.

​أمام هذه الحالة المربكة، لم تعد الدول تقف موقف المتفرج، بل اتجهت مجتمعات عدة إلى تقنين هذا الفضاء وتنظيمه بصور مختلفة. ففي أوروبا، كان «قانون الخدمات الرقمية» حاسماً في وضع قواعد صارمة تلزم الشركات الكبرى بمواجهة المحتوى غير القانوني والحد من خوارزميات الترويج المضللة تحت طائلة غرامات مالية قاسية. وفي آسيا، ذهبت تجارب مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية إلى أبعد من ذلك، عبر تشريعات صارمة لمكافحة الشائعات والأكاذيب وحماية الخصوصية ومنع التشهير الرقمي، مؤكدة أن الفضاء الإلكتروني ليس غابة بلا قانون.

​وهذا يطرح لدى البعض سؤالاً جوهرياً: هل الحل في حصر الحديث في القضايا السياسية والاقتصادية والعلمية أو تقييم أداء السلطات التنفيذية على العلماء والمتخصصين فقط؟

​إن رأيي المتواضع في هذه المسألة ينطلق من قراءة واقعية وإدارية؛ فهذا الطرح ـ وإن بدا مغرياً لحفظ النظام ـ هو طرح غير ممكن عملياً ولا منطقياً، فالقضايا العامة تمس حياة المواطن اليومية بشكل مباشر، وحرمان غير المتخصص من التعبير يصطدم بحق المواطنة والطبيعة اللامركزية للإنترنت التي تكسر أي حدود تدفقية للمجتمع؛ إذ سينتقل الحوار فوراً إلى غرف مظلمة ومنصات مشفرة، فضلاً عن صعوبة الاتفاق على معيار مطلق يحدد من هو «المختص».

​إن الحل الحقيقي لمواجهة هذه الفوضى لا يكمن في الإغلاق أو الوصاية المطلقة، بل في بناء بوصلة التفكير النقدي، وتطوير التشريعات التي تفرق بدقة بين حرية النقد المشروع وبين العبث العاطفي المضلل. إننا بحاجة إلى ترسيخ «التربية الإعلامية» لتنقية عقول المتلقين، وإلى جانب ذلك، يجب على المؤسسات العلمية والبحثية والتنفيذية النزول إلى ميدان التواصل بأسلوب مبسط ومقنع يسترد المساحات التي تركها المختصون لفوضى الهواة. الفضاء الرقمي ليس قدراً محتوماً للشغب، بل هو أداة تقاس صلاحيتها بمدى وعي مستخدميها وانضباط إدارتها.

​وفي ختام هذا الطرح، يتضح أن مواجهة تحديات الفضاء الرقمي لا تكون بمنع الأفراد من التعبير أو فرض وصاية معرفية، بل باستعادة التوازن بين ديمقراطية المشاركة ورصانة الطرح. إن المسؤولية باتت مشتركة بين الدولة في سن التشريعات العادلة، والمؤسسات العلمية في تبسيط المعرفة والحضور الفاعل، والمواطن في التسلح بالتفكير النقدي والتربية الإعلامية؛ فبذلك فقط يتحول الفضاء الرقمي من ساحة للانفعال والشائعات إلى بيئة ناضجة تُبنى فيها القرارات الوطنية والوعي المجتمعي على أسس علمية وموضوعية سليمة.

​بقلم: الدكتور علي مبارك

خبير الإعلام والإدارة