الأحد ١٨ / أكتوبر / ٢٠٢٦
من نحن اتصل بنا التحرير
×
الموجز
logo فرنسا تشهد احتجاجات واسعة بسبب الغلاء وسط أعمال شغب واعتقالاتlogo بغداد.. مصر والعراق تعززان التعاون البرلماني وتدعمان الاستقرار وإعادة الإعمارlogo بانكوك.. رئيسة صندوق النقد تدعو لتعزيز الرقابة ومواجهة المخاطر السيبرانيةlogo بانكوك.. صندوق النقد يُكثّف دعمه المالي للدول المتضررة من النزاعاتlogo مصر.. النواب يناقش غدًا طلب السيسي تفويضه للدفاع عن السعوديةlogo بغداد.. مصر وإيران تبحثان خفض التصعيد واحتواء الأزمة وأمن الملاحةlogo بغداد.. عبد العاطي يبحث أزمات المنطقة مع نظرائه التركي والمالديفي والسوريlogo ​مصر: السيسي يحدد موقفه الرئاسي ويطلب تفويضًا برلمانيًا لحماية السعوديةlogo موديز ترفع التصنيف الائتماني لمصر إلىB3مع نظرة مستقبلية إيجابيةlogo مصر و18دولة تدين افتتاح كولومبيا سفارتها في القدسlogo فرنسا تشهد احتجاجات واسعة بسبب الغلاء وسط أعمال شغب واعتقالاتlogo بغداد.. مصر والعراق تعززان التعاون البرلماني وتدعمان الاستقرار وإعادة الإعمارlogo بانكوك.. رئيسة صندوق النقد تدعو لتعزيز الرقابة ومواجهة المخاطر السيبرانيةlogo بانكوك.. صندوق النقد يُكثّف دعمه المالي للدول المتضررة من النزاعاتlogo مصر.. النواب يناقش غدًا طلب السيسي تفويضه للدفاع عن السعوديةlogo بغداد.. مصر وإيران تبحثان خفض التصعيد واحتواء الأزمة وأمن الملاحةlogo بغداد.. عبد العاطي يبحث أزمات المنطقة مع نظرائه التركي والمالديفي والسوريlogo ​مصر: السيسي يحدد موقفه الرئاسي ويطلب تفويضًا برلمانيًا لحماية السعوديةlogo موديز ترفع التصنيف الائتماني لمصر إلىB3مع نظرة مستقبلية إيجابيةlogo مصر و18دولة تدين افتتاح كولومبيا سفارتها في القدس

د. علي مبارك يكتب..من التغطية للتزييف: سقطات الإعلام في الصراعات

د. علي مبارك يكتب..من التغطية للتزييف: سقطات الإعلام في الصراعات

​تحوّلت الشاشات الإخبارية في العقود الأخيرة من مجرد منافذ لنقل الواقع والوقائع الميدانية إلى ساحات معارك موازية، تُمارس فيها أعتى أدوات الحرب النفسية والتوجيه الأيديولوجي. ومع تصاعد حدة الصراعات والحروب الدولية، برزت على السطح ظاهرةٌ جليّةٌ تُفصح عن الأخطاء المهنية والسقطات الأخلاقية التي تقترفها العديد من القنوات الإخبارية العالمية والإقليمية؛ إذ لم يعد الخطأ الإخباري مجرد زلة لسان أو اختيار زاوية تصوير غير موفقة، بل تجاوز ذلك ليكون جزءاً مكملاً لاستراتيجيات كبرى تُشكّل وعي الشارع الدولي وتوجّه آراءه تجاه القضايا المصيرية.
​أزمة المعايير وتجليات الانحراف الإعلامي
​وفي هذا السياق، تتعدد الأشكال والتجليات لهذه الأخطاء الإعلامية التي تجرف القنوات بعيداً عن ضفاف الشفافية والموضوعية؛ حيث تتجلى أولى هذه السقطات في أزمة ازدواجية المعايير ونزع الإنسانية عن الضحايا من خلال لغة الخطاب والمفردات المستعملة. فبينما يُوصف الضحايا بـ "الموتى" في طرف، نراهم يتحولون إلى "شهداء" أو "قتلى هجوم غادر" في طرف آخر، مما يضرب بعرض الحائط مبدأ الإنسانية الموحدة عند تصنيف المعاناة بناءً على العرق أو الديانة أو الموقع الجغرافي.
​ويتوازى هذا الانحياز اللغوي مع الانجراف الكامل خلف الرواية الأحاديّة والاعتماد المطلق على البيان العسكري لطرف واحد دون محاولةٍ للتحقق أو الاستعانة بمصادر أطراف أخرى، وهو ما يحوّل القناة من منبر صحفي إلى مجرد بوق دعاية يُمارس التعبئة النفسية بدلاً من التغطية الرشيدة.

كما تتعمد بعض التغطيات تضخيم قدرات الخصوم وتهويل التهديد الوجودي الذي يشكله الطرف المستهدف، لتهيئة الرأي العام العالمي وقبوله للتدخلات العسكرية والتدمير الشامل تحت ذريعة الدفاع عن النفس أو دحر الخطر المحدق.
​شواهد تاريخية ومعاصرة على تزييف الرواية
​ولا تُعد هذه الانحرافات وليدة اللحظة، بل تظهر جذورها بوضوح عبر عدة محطات تاريخية ومعاصرة.

فمنذ الحرب على العراق عام 2003، حين صوّر الإعلام الغربي امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل قادرة على تهديد الأمن العالمي لتبرير غزوٍ شلّ الدولة ودمر بنيتها التحتية، مروراً بـ الحرب على أفغانستان عام 2001 بتضخيم قدرات حركة طالبان وتنظيم القاعدة لخلق مبرر لعملية عسكرية واسعة واحتلال استمر لعقود، وصولاً إلى العدوان الإسرائيلي على غزة بالتركيز المكثف على تضخيم البنية التحتية والترسانة العسكرية في القطاع المحاصر لاستباحة قصف المدنيين والمستشفيات والأحياء السكنية بذريعة تفكيك هذه القوة الخارقة.

 هذا النهج قد يستخدم ضد بعض الدول، عبر إبرازها تشكل تهديدات مطلقة لا يمكن كبحها إلا بالضربات العسكرية المتواصلة، مما يرفع غطاء الحماية الدولية عن المنشآت والأقاليم المتأثرة بالصراع.


​البيئة المحفزة للانهيار المهني


​وبقراءة الدوافع والمسببات، نجد أن القنوات لا تسقط في هذه الأخطاء سُدىً أو لمجرد المصادفة، بل تقف خلف هذا الانحراف المهني دوافع وسياقات معقدة؛ يأتي في مقدمتها الضغوط السياسية والتمويلية الناتجة عن ارتباط أغلب المؤسسات الإعلامية بأجندات مموليها أو بالحكومات التي تمنحها التراخيص والنفوذ.
​يُضاف إلى ذلك سيادة ثقافة العاجل والسبق الصحفي والسرعة المحمومة في تغطية الحدث لحظة بلحظة، مما يحرم الصحفي والمحرر من الوقت الكافي للتحقق والتثبت من المصادر.

وتكتمل هذه المنظومة الضاغطة مع التدفق العارم لصحافة المواطن وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، حيث تنتشر المقاطع المصنوعة تقنياً والمعلومات المضللة العمدية (Disinformation) عبر منصات التواصل الاجتماعي لتجد طريقها بسهولة إلى الغرف الإخبارية غير المجهزة تقنياً.

ولا يمكن في هذا الصدد التغاضي عن دور الجمهور نفسه وتأثير "غرف الصدى" (Echo Chambers)؛ حيث ينقاد المشاهدون لانحيازاتهم المسبقة ويستهلكون ما يؤيدها، مما يدفع بعض القنوات إلى مجاراة هذه الرغبات للحفاظ على نسبة المشاهدة والأرباح على حساب الموضوعية.


​خريطة طريق للإصلاح ومواجهة التحديات


​ولتدراك هذه السقطات وإعادة بناء جسور الثقة مع الجمهور، يتطلب الإصلاح المهني اتخاذ آليات صارمة وفق رؤية منهجية شجاعة؛ تبدأ بـ تفعيل وحدات التدقيق والتحقق (Fact-Checking) المستقلة داخل الغرف الإخبارية باستخدام أدوات التحقق الرقمي والاستخبارات المفتوحة المصدر (OSINT) قبل البث، وتعديل معجم المصطلحات بوضع أدلة إرشادية صارمة توحد المسميات وتمنع استخدام لغة التحريض أو الانحياز.


​كما يقتضي الإصلاح التزام الاعتذار والتراجع العلني الشفاف لتصحيح الأخطاء فور اكتشافها وإعلانها عبر المنصة ذاتها وبحجم التغطية الأولى نفسه، إلى جانب تحقيق التعددية في المصادر بالامتناع عن اعتماد الروايات الأحاديّة والحرص على إبراز التقارير الميدانية والشهادات المحايدة . غير أن تطبيق هذه الحلول، رغم ضرورته، قد يصطدم بعقبات هيكلية واقعية تتمثل في المصالح التمويلية للجهات المالكة، وضعف الأطر والقوانين الدولية الكفيلة بمحاسبة الوسائل الإعلامية التي تسهم في تبرير العنف أو التحريض عليه.


​المسئولية الأخلاقية كشرط لاستعادة الثقة


​تأسيساً على ما سبق، فإن تصويب أخطاء القنوات الإخبارية في نقل الصراعات ليس مجرد مطلبٍ فنيّ أو تحسينٍ لجماليات العرض الصحفي، بل هو ضرورة إنسانية وأخلاقية بامتياز؛ فالخبر المضلل والتضخيم المتعمد في زمن الحرب قد يتسببان في سفك الدماء، وتبرير الجرائم، أو حرمان الأبرياء من الإغاثة والحماية.

إن الحرية الصحفية الحقيقية تستوجب مسؤولية أعمق وأعلى، والوسيلة الإعلامية التي تفقد مصداقيتها في زمن الحرب لن تستعيدها في أوقات السلم مهما أنفقت على تحسين صورتها الذهنية.
                                  ​
                         د. علي مبارك — خبير إعلامي