الإثنين ١٢ / أكتوبر / ٢٠٢٦
من نحن اتصل بنا التحرير
×
الموجز
logo الرئيس السيسي يعود إلى أرض الوطن بعد ختام جولته الآسيويةlogo مصر والسعودية وباكستان وتركيا تدين هجمات الحوثيين وتطالب بوقفها فورًاlogo مصر والسعودية تعززان التعاون في تجارة ونقل وتخزين المنتجات البتروليةlogo صندوق النقد والبنك الدولي يبحثان تداعيات الحرب وأزمة الطاقة والديونlogo مصر ومنظمة التعاون الفضائي لآسيا والمحيط الهادئ تبحثان الشراكةlogo السيسي وبرابوو يتفقان على تعزيز الشراكة الاستراتيجية وتنسيق المواقف الإقليميةlogo روسيا تخفف قيود تصدير الديزل عقب اتفاق موسكو وواشنطنlogo مصر للطيران تعلق رحلات الرياض مؤقتًا وتتيح استرداد التذاكرlogo السعودية تؤكد حقها بالدفاع عن أراضيها عقب هجوم مطار الرياضlogo قمة أوروبية تناقش ملفي الطاقة والموازنة عقب التفاهمات الأمريكية-الروسيةlogo الرئيس السيسي يعود إلى أرض الوطن بعد ختام جولته الآسيويةlogo مصر والسعودية وباكستان وتركيا تدين هجمات الحوثيين وتطالب بوقفها فورًاlogo مصر والسعودية تعززان التعاون في تجارة ونقل وتخزين المنتجات البتروليةlogo صندوق النقد والبنك الدولي يبحثان تداعيات الحرب وأزمة الطاقة والديونlogo مصر ومنظمة التعاون الفضائي لآسيا والمحيط الهادئ تبحثان الشراكةlogo السيسي وبرابوو يتفقان على تعزيز الشراكة الاستراتيجية وتنسيق المواقف الإقليميةlogo روسيا تخفف قيود تصدير الديزل عقب اتفاق موسكو وواشنطنlogo مصر للطيران تعلق رحلات الرياض مؤقتًا وتتيح استرداد التذاكرlogo السعودية تؤكد حقها بالدفاع عن أراضيها عقب هجوم مطار الرياضlogo قمة أوروبية تناقش ملفي الطاقة والموازنة عقب التفاهمات الأمريكية-الروسية

الإعلام والأمن القومي في زمن الصراعات الإقليمية

الإعلام والأمن القومي في زمن الصراعات الإقليمية

بقلم الخبير الإعلامي د. علي مبارك


لم تعد الصراعات المشتعلة في الشرق الأوسط مجرد مواجهات عسكرية تدور على جبهات متفرقة، بل أصبحت جزءًا من مشهد جيوسياسي بالغ التعقيد، تتشابك فيه الحسابات الأمنية والعسكرية مع المصالح الاقتصادية والاستراتيجية، وتمتد تداعياته إلى الأمن القومي للدول العربية، وفي القلب منها الأمن القومي المصري.
فمن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وما خلفته من معاناة إنسانية وتهجير ودمار، إلى تصاعد المواجهات في جنوب لبنان، والتحركات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، وصولًا إلى المواجهة الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية، تتسع دوائر التوتر في المنطقة، وتتزايد مخاطر الانزلاق إلى مواجهات أوسع قد تتجاوز حدود الدول المتصارعة، لتطال استقرار الإقليم ومصالح شعوبه.
ولا تقف هذه التحديات عند حدود المواجهات العسكرية، بل تمتد إلى الممرات المائية الاستراتيجية، التي تمثل شرايين رئيسية للتجارة الدولية وإمدادات الطاقة. فمضيق هرمز، والبحر الأحمر، ومضيق باب المندب، أصبحت جميعها ضمن حسابات الصراع الإقليمي، في ظل المخاطر التي تهدد حركة الملاحة، وتؤثر في أسعار الطاقة وتكاليف الشحن والتأمين وسلاسل الإمداد العالمية.
وتتحمل مصر جانبًا من التداعيات الاقتصادية لهذه التطورات، خاصة مع اضطراب حركة الملاحة في البحر الأحمر وتحول بعض خطوط الشحن إلى مسارات بديلة حول رأس الرجاء الصالح، الأمر الذي انعكس على إيرادات قناة السويس، أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للاقتصاد المصري. وهنا تتضح حقيقة أساسية، وهي أن الأزمات الإقليمية لم تعد أحداثًا بعيدة عن حياة المواطن، بل أصبحت عوامل مؤثرة في الاقتصاد والأسعار والاستثمار وفرص التنمية.
وفي خضم هذا المشهد، تبرز مسؤولية الإعلام بوصفه أحد العناصر المؤثرة في تشكيل الوعي العام، وتفسير الأحداث، ومساعدة المجتمع على فهم ما يجري حوله. فالإعلام في أوقات الأزمات لا ينبغي أن يقتصر دوره على نقل الأخبار وتتابع التصريحات، وإنما يتعين عليه أن يقدم قراءة واعية للأحداث، تشرح خلفياتها، وتكشف أبعادها، وتربط بين التطورات العسكرية والنتائج السياسية والاقتصادية المترتبة عليها.
إن الخبر وحده لا يكفي لفهم الأزمة، والصورة المنقولة من ميدان المواجهة لا تكتمل دلالتها دون سياق يفسر أسبابها ونتائجها. ومن ثم، فإن الحاجة تتزايد إلى إعلام يجمع بين سرعة نقل المعلومة ودقة التحقق منها، وبين التحليل الموضوعي والقدرة على تبسيط القضايا الاستراتيجية للجمهور، بعيدًا عن التهويل أو التهوين، وبما يتيح للمواطن تكوين رؤية مستندة إلى الحقائق.
وتزداد هذه المسؤولية أهمية في ظل الحروب النفسية وحملات التضليل التي ترافق الصراعات العسكرية. فالمعلومة المضللة قد تنتشر في دقائق، بينما يحتاج تصحيحها إلى وقت وجهد، وقد تستهدف الشائعات استغلال الأزمات الاقتصادية أو اضطراب الملاحة أو تراجع الإيرادات لإثارة القلق وزعزعة الثقة ونشر الإحباط. لذلك، فإن مواجهة التضليل لا تتحقق بالشعارات وحدها، وإنما بإتاحة المعلومات الموثوقة، وسرعة إصدار البيانات الرسمية، وتقديم إجابات واضحة عن تساؤلات المواطنين.
ومن هنا، يصبح توفير المعلومات الدقيقة للإعلام ضرورة مؤسسية، وليس مجرد إجراء تنظيمي. فكلما كانت البيانات الرسمية متاحة في توقيت مناسب، ازدادت قدرة الصحفيين والإعلاميين على التحقق والتحليل، وتراجعت المساحة التي يمكن أن تستغلها الشائعات والتفسيرات غير المستندة إلى أدلة. كما أن تدريب الكوادر الإعلامية على التعامل مع الأزمات، وفهم الملفات الاقتصادية والعسكرية والسياسية، يمثل استثمارًا مباشرًا في حماية الوعي المجتمعي.
ولا يعني الحديث عن تكامل الإعلام الرسمي والخاص إلغاء التعددية أو فرض خطاب واحد على الجميع، وإنما يعني الاتفاق على قواعد مهنية واضحة عند التعامل مع المعلومات الحساسة، والالتزام بالدقة، وتجنب نشر الأخبار غير المؤكدة، واحترام مقتضيات الأمن القومي في إطار القانون، مع الحفاظ على حق الجمهور في المعرفة، وحق الإعلام في طرح الأسئلة ومناقشة السياسات العامة بصورة مسؤولة.
فالإعلام الوطني القوي لا يستمد تأثيره من تكرار الرسائل، بل من ثقة الجمهور فيه، وهذه الثقة لا تُبنى إلا بالمصداقية والشفافية والقدرة على الاعتراف بالحقائق وتفسيرها. كما أن حماية الأمن القومي لا تتعارض مع النقد المهني، بل إن إظهار أوجه القصور ومناقشة سبل معالجتها يمكن أن يسهم في تحسين الأداء وتعزيز قدرة المؤسسات على مواجهة التحديات.
وعلى المستوى الخارجي، تحتاج مصر إلى خطاب إعلامي قادر على شرح موقفها من التطورات الإقليمية، وإبراز تحركاتها الدبلوماسية وجهودها الرامية إلى احتواء الصراعات، ودعم الحلول السياسية، والحفاظ على استقرار المنطقة وحماية المصالح الوطنية. كما تبرز أهمية مخاطبة الرأي العام الدولي بلغة مهنية تستند إلى البيانات والإحصاءات، وتوضح الآثار التي تلحق بالتجارة العالمية والدول النامية نتيجة اضطراب الممرات البحرية وتصاعد التوترات العسكرية.
إن معركة الوعي لا تنفصل عن معركة الاستقرار، لكنها لا تُحسم بالصوت الأعلى أو الخطاب الأكثر حدة، وإنما بالمعلومة الصحيحة والتحليل الرصين والقدرة على مخاطبة العقول. وفي منطقة تتشابك فيها الحروب مع الاقتصاد والسياسة والإعلام، تصبح الكلمة مسؤولية، والصورة أمانة، والمعلومة الدقيقة ركيزة أساسية لفهم المخاطر والتعامل معها.
وفي النهاية، فإن حماية الأمن القومي المصري مسؤولية تتكامل فيها أدوار مؤسسات الدولة والإعلام والمجتمع، ويظل الإعلام الواعي أحد أهم الجسور التي تربط المواطن بحقيقة ما يجري، وتساعده على التمييز بين الخبر والشائعة، وبين التحليل والتهويل. فالدولة الأكثر قدرة على مواجهة الأزمات ليست فقط التي تمتلك أدوات القوة، بل التي يمتلك مجتمعها وعيًا راسخًا، وإعلامًا مهنيًا موثوقًا، وقدرة على قراءة الحاضر واستشراف تداعياته.