الأربعاء ٢٢ / يوليو / ٢٠٢٦
من نحن اتصل بنا التحرير
×
الموجز
logo وزير الاتصالات: 8 مليارات دولار مستهدف صادرات التعهيد بحلول 2028logo وزير الطيران يبحث تطوير المطارات وجذب الاستثمارات وتعزيز الشراكات الدوليةlogo مصر والإمارات تؤكدان مواصلة التنسيق لدعم أمن واستقرار المنطقةlogo الثقافة تقدم عروضًا فنية وندوات ثقافية احتفالًا بثورة 23 يوليوlogo الرئيس السيسي يصدق على 8 قوانين جديدة لتنظيم موازنات الهيئاتlogo مصر وأمريكا تبحثان توسيع التعاون الصناعي واللوجستي بقناة السويسlogo رئيس الجبل الأسود يشيد برسالة الأزهر العالمية للسلامlogo وزير الاتصالات: 8 مليارات دولار مستهدف صادرات التعهيد بحلول 2028logo وزير الطيران يبحث تطوير المطارات وجذب الاستثمارات وتعزيز الشراكات الدوليةlogo مصر والإمارات تؤكدان مواصلة التنسيق لدعم أمن واستقرار المنطقةlogo الثقافة تقدم عروضًا فنية وندوات ثقافية احتفالًا بثورة 23 يوليوlogo الرئيس السيسي يصدق على 8 قوانين جديدة لتنظيم موازنات الهيئاتlogo مصر وأمريكا تبحثان توسيع التعاون الصناعي واللوجستي بقناة السويسlogo رئيس الجبل الأسود يشيد برسالة الأزهر العالمية للسلام

ثورة 23 يوليو.. الانطلاق نحو استقلال مصر وبناء الدولة الحديثة

ثورة 23 يوليو.. الانطلاق نحو استقلال مصر وبناء الدولة الحديثة

ملف من إعداد عادل خفاجي |

​تظل ثورة 23 يوليو 1952 واحدة من أبرز المحطات الفارقة في التاريخ المصري الحديث؛ ليس فقط لأنها أنهت النظام الملكي وأعلنت قيام الجمهورية، وإنما لأنها أطلقت مرحلة جديدة أعادت تشكيل ملامح الدولة والمجتمع والاقتصاد والسياسة، ووضعت قضايا الاستقلال الوطني، والعدالة الاجتماعية، وبناء الدولة الحديثة في صدارة المشروع الوطني المصري.

​ففي فجر الثالث والعشرين من يوليو عام 1952، تحرك تنظيم الضباط الأحرار داخل القوات المسلحة في لحظة تاريخية حاسمة، مستندًا إلى حالة واسعة من الاحتقان السياسي والاجتماعي والوطني، ومعلنًا بداية مرحلة جديدة في تاريخ مصر. وجاءت الثورة بعد سنوات من الأزمات التي تراكمت نتيجة الاحتلال البريطاني، وتدهور الأوضاع السياسية، وتصاعد نفوذ القصر الملكي، واتساع الفجوة الاجتماعية والاقتصادية، فضلًا عن آثار هزيمة حرب فلسطين عام 1948 وما ارتبط بها من انتقادات لأوضاع الجيش المصري.

​لم تكن ثورة يوليو مجرد تغيير في شكل نظام الحكم، بل كانت مشروعًا لإعادة بناء المجتمع والدولة، امتدت آثاره إلى مجالات الزراعة، والصناعة، التعليم، الصحة، العمل، الثقافة، والسياسة الخارجية. كما تجاوز تأثيرها الحدود المصرية، لتصبح مصدر إلهام لحركات التحرر الوطني في العالم العربي، أفريقيا، وآسيا، ولتؤكد حضور مصر كقوة إقليمية ذات قرار وطني مستقل.

​وبعد مرور عقود على الثورة، تبقى قراءة تجربتها بحاجة إلى النظر إليها باعتبارها مرحلة تاريخية متكاملة، لها إنجازاتها الكبرى وتحولاتها العميقة، كما أن لها تحدياتها وتجربتها السياسية التي خضعت بدورها للتقييم والنقاش. إلا أن المؤكد هو أن 23 يوليو شكلت نقطة تحول أساسية في مسيرة مصر، وأن آثارها امتدت إلى أجيال متعاقبة وأعادت رسم صورة الدولة المصرية الحديثة.

​مصر قبل ثورة 23 يوليو.. وطن يبحث عن الاستقلال والعدالة

​لفهم أسباب قيام ثورة 23 يوليو، لا بد من العودة إلى طبيعة الأوضاع التي كانت تعيشها مصر قبل عام 1952؛ فقد كانت البلاد تعاني من استمرار الوجود البريطاني، بينما ظلت مسألة الاستقلال الكامل والسيادة الوطنية قضية مركزية في الوعي الشعبي والسياسي.

​وعلى المستوى السياسي، شهدت مصر خلال العقود السابقة للثورة حالة من عدم الاستقرار والصراع بين القصر، الأحزاب، والحكومات، إلى جانب التدخل البريطاني السافر في الحياة السياسية. كما تعرض النظام الملكي لانتقادات واسعة بسبب تدخل القصر في شؤون الحكم، وما اعتبرته قطاعات واسعة من القوى الوطنية تجاوزات سياسية ودستورية.

​أما اجتماعيًا واقتصاديًا، فقد كانت ملكية الأراضي الزراعية شديدة التركز لدى عدد محدود من كبار الملاك، بينما عانى قطاع واسع من الفلاحين من محدودية الملكية الزراعية وظروف اقتصادية قاسية. وكانت الفجوة بين طبقات المجتمع من أبرز القضايا التي دفعت باتجاه المطالبة بإعادة توزيع الثروة وتحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية.

​وفي الوقت نفسه، كان الاقتصاد المصري يعاني من ضعف القاعدة الصناعية واعتماد كبير على الزراعة، في ظل وجود نفوذ أجنبي في قطاعات اقتصادية وتجارية حيوية؛ لذلك برزت الحاجة الملحة لبناء اقتصاد وطني أكثر استقلالًا وقدرة على تحقيق التنمية الحقيقية.

​هزيمة فلسطين.. الشرارة التي عمقت الغضب داخل الجيش

​شكلت حرب فلسطين عام 1948 نقطة تحول مهمة في الوعي الوطني المصري، خصوصًا داخل المؤسسة العسكرية. فقد عادت مجموعات من الضباط من الجبهة وهي تحمل شعورًا بالغضب من الأوضاع التي رأوا أنها ساهمت في ضعف الأداء العسكري، ومن بينها ما ارتبط بقضية "الأسلحة الفاسدة"، التي أصبحت رمزًا للفساد وسوء الإدارة في تلك المرحلة.

​ومن رحم هذه الظروف، بدأ عدد من الضباط التفكير في ضرورة إصلاح أوضاع الجيش والدولة معًا، وتبلورت تدريجيًا نواة "تنظيم الضباط الأحرار"، الذي ضم نخبة من العسكريين الذين آمنوا بأن التغيير بات ضرورة وطنية حتمية.

​تنظيم الضباط الأحرار.. النواة التي قادت التحرك

​تبلور تنظيم الضباط الأحرار في السنوات التي سبقت الثورة، وكان من أبرز رموزه:

  • ​جمال عبد الناصر: الذي أصبح لاحقًا الرئيس الثاني للجمهورية.
  • ​محمد أنور السادات: الذي تولى رئاسة الجمهورية لاحقًا.
  • ​محمد نجيب: الذي أصبح الواجهة القيادية للثورة والقائد العام للقوات المسلحة.

​وضمت القيادة أسماء بارزة أخرى شاركت بفاعلية في التخطيط والتنفيذ، مثل: عبد الحكيم عامر، زكريا محيي الدين، صلاح سالم، جمال سالم، عبد اللطيف البغدادي، حسين الشافعي، كمال الدين حسين، خالد محيي الدين، ويوسف صديق. وكان لكل شخصية من هذه الشخصيات دور محوري في مسار الأحداث، سواء في التخطيط الاستراتيجي أو التنفيذ الميداني أو إدارة المرحلة الانتقالية التي أعقبت نجاح التحرك.

​ليلة 23 يوليو 1952.. التحرك الذي غيّر تاريخ مصر

​في الساعات الأولى من فجر 23 يوليو 1952، بدأت وحدات من القوات المسلحة تنفيذ خطة التحرك التي أعدها الضباط الأحرار بدقة. واستهدفت الخطة السيطرة الكاملة على المواقع والمنشآت الحيوية، وتأمين الطرق الرئيسية، المطارات، ومبنى الإذاعة، مع ضمان تحييد أي تدخل محتمل للقوات البريطانية.

​وفي صباح 23 يوليو، أُذيع البيان الأول للثورة بصوت أنور السادات، باسم اللواء محمد نجيب، معلنًا أن القوات المسلحة تحركت لصالح الوطن والشعب، وأن الهدف الأساسي هو تطهير البلاد، القضاء على الفساد، وإرساء حياة ديمقراطية سليمة.

​وسرعان ما اتسعت دائرة التأييد الشعبي والسياسي لهذا التحرك، وأصبح واضحًا أن النظام الملكي قد دخل فصله الأخير. وفي 26 يوليو 1952، تنازل الملك فاروق عن العرش وغادر البلاد، لتنتهي رسميًا مرحلة الحكم الملكي التي استمرت في صورتها الحديثة منذ قيام المملكة المصرية عام 1922، وتبدأ مرحلة انتقالية فاصلة مهدت لإعلان الجمهورية.

​18 يونيو 1953: إعلان الجمهورية.. بداية عهد جديد

​في 18 يونيو 1953، أُعلن رسميًا إلغاء النظام الملكي وقيام الجمهورية المصرية، لتصبح مصر دولة جمهورية للمرة الأولى في تاريخها الحديث. وتولى اللواء محمد نجيب رئاسة الجمهورية في مرحلتها الأولى، قبل أن تتطور الأوضاع السياسية داخل قيادة الثورة ويبرز الزعيم جمال عبد الناصر باعتباره الشخصية الأكثر تأثيرًا في قيادة الدولة وصياغة مسارها خلال العقود التالية.

​وبإعلان الجمهورية، لم يعد التغيير مقتصرًا على انتقال السلطة من رأس الدولة الملكي إلى رئيس جمهورية، بل شكّل بداية لتأسيس بنية مؤسسية جديدة، وتغيير جذري في فلسفة الحكم، مع التركيز على الاستقلال الوطني، العدالة الاجتماعية، وبناء جيش وطني قوي يحمي مقدرات البلاد.

​"لقد أخذنا على عاتقنا أن نبني دولة قوية، وأن نرفع رأس المصريين." - جمال عبد الناصر


​المبادئ الستة.. الإطار الفكري للثورة

​ارتبطت الثورة بمجموعة من المبادئ المحورية التي شكلت الإطار الفكري والعملي لمشروعها الوطني، وتمثلت في:

  1. ​القضاء على الاستعمار وأعوانه.
  2. ​القضاء على الإقطاع.
  3. ​القضاء على سيطرة رأس المال على الحكم.
  4. ​إقامة عدالة اجتماعية حقيقية.
  5. ​بناء جيش وطني قوي.
  6. ​إقامة حياة ديمقراطية سليمة.

​وقد عكست هذه المبادئ طموحات الشعب المصري في التحرر والبناء، واضعًا في الاعتبار أن الاستقلال السياسي لا يكتمل إلا بتحولات اجتماعية واقتصادية تضمن توسيع قاعدة المستفيدين من ثروات الوطن.

​قانون الإصلاح الزراعي (سبتمبر 1952).. إعادة توزيع ملكية الأرض

​شكل قانون الإصلاح الزراعي الصادر في سبتمبر 1952 أحد أجرأ وأهم القرارات التي اتخذتها الثورة؛ إذ استهدف الحد من تركز ملكية الأراضي الزراعية في أيدي عدد محدود من كبار الإقطاعيين، ووضع سقف أقصى للملكية الفردية، وإعادة توزيع المساحات الفائضة على صغار الفلاحين المعدمين.

​لقد أحدث هذا القانون زلزالاً إيجابيًا في بنية المجتمع الريفي؛ إذ حرر الفلاح المصري من ربقة الاستغلال، وأتاح له فرصة امتلاك الأرض التي يزرعها، مما أدى إلى انهيار نفوذ الإقطاع كقوة اقتصادية واجتماعية، وإدماج الفلاحين كركيزة أساسية في مشروع العدالة الاجتماعية.

​العدالة الاجتماعية وتمكين المرأة.. توسيع قاعدة المشاركة

​أحدثت ثورة يوليو تحولًا واسعًا في التركيبة الاجتماعية للدولة؛ حيث انفتحت أبواب التعليم والوظائف العامة أمام أبناء الطبقات المتوسطة والفقيرة التي طال تهميشها.

​وأصبح الوصول إلى الوظائف العليا في الدولة، الجيش، الشرطة، الجامعات، والمؤسسات الكبرى مرتبطًا بالكفاءة والتحصيل العلمي، لا بالانتماء الطبقي أو النسب العائلي. كما شهدت تلك المرحلة سن تشريعات عمالية رائدة وفرت حماية اجتماعية واسعة للطبقة العاملة، مما أدى إلى صعود طبقة وسطى عريضة أصبحت عماد المجتمع المصري وقاطرة حراكه الثقافي والاجتماعي.

​وفي تطور حقوقي وتاريخي بارز، منح دستور عام 1956 المرأة المصرية الحق في الانتخاب والترشيح لأول مرة، مما فتح الباب أمام مشاركتها السياسية والتشريعية، وبدأت مرحلة جديدة من تمكين المرأة وتوليها المناصب العامة والوزارية.

​التعليم.. من الامتياز الطبقي إلى حق أوسع للمصريين

​يُعد قطاع التعليم من أبرز القطاعات التي شهدت طفرة هائلة في أعقاب الثورة. فقد توسعت الدولة في إنشاء المدارس في جميع القرى والنجوع، وأصدرت قرار مجانية التعليم بكافة مراحله، وصولًا إلى التعليم الجامعي.

​هذا القرار التاريخي كسر احتكار التعليم العالي على الطبقات الثرية وحدها، وفتح أبواب الجامعات والمعاهد أمام أبناء العمال والفلاحين. كما أنشأت الدولة العديد من الجامعات الإقليمية ومراكز البحث العلمي، مما جعل التعليم أداة رئيسية للترقي الاجتماعي وبناء جيل جديد من الكفاءات الوطنية المتخصصة.

​الصناعة.. بناء قاعدة إنتاج وطنية

​تبنت الدولة بعد الثورة استراتيجية طموحة للتصنيع الكثيف، تهدف إلى كسر التبعية الاقتصادية للخارج وبناء قاعدة إنتاجية وطنية صلبة.

​شهدت تلك الفترة إنشاء وتطوير مجمعات صناعية عملاقة في مجالات الحديد والصلب، الغزل والنسيج، الأسمدة، والصناعات الهندسية والبتروكيماويات. وفي عام 1960، أُطلقت أول خطة خمسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما أسهم في توفير ملايين فرص العمل، إنشاء مدن صناعية جديدة، وربط التنمية بمسار المشروعات القومية الكبرى.

​19 أكتوبر 1954: اتفاقية الجلاء.. استكمال معركة الاستقلال الوطني

​ظلت قضية الوجود العسكري البريطاني على الأراضي المصرية تشكل جرحًا نازفًا في كرامة الوطن وأهدافه. وعبر مسار شاق من المفاوضات والمقاومة، كُللت الجهود بتوقيع اتفاقية الجلاء في 19 أكتوبر 1954، والتي نصت على الانسحاب التدريجي للقوات البريطانية، حتى غادر آخر جندي بريطاني أرض الوطن في يونيو 1956.

​مثّل الجلاء علامة فارقة في تاريخ مصر الحديث، ومحطة كبرى في طريق تكريس السيادة الوطنية المستقلة بعيدًا عن أي وصاية خارجية.

​26 يوليو 1956: تأميم قناة السويس.. قرار أعاد تأكيد السيادة المصرية

​في 26 يوليو 1956، أعلن الرئيس جمال عبد الناصر قرار تأميم شركة قناة السويس المصرية، في خطوة شجاعة استردت من خلالها مصر حقها الأصيل في إدارة مرفقها الحيوي، وجاء القرار ردًا على سحب البنك الدولي تمويل مشروع السد العالي.

​تسببت هذه الخطوة في شن العدوان الثلاثي (بريطانيا، فرنسا، وإسرائيل) على مصر في خريف عام 1956، إلا أن الصمود الأسطوري للقوات المسلحة والشعب المصري، إلى جانب الدعم العربي والدولي الواسع والضغوط الدبلوماسية، أجبرت قوات العدوان على الانسحاب الخائب. وعزز تأميم القناة مكانة مصر الدولية كدولة قادرة على حماية سيادتها بقرارات وطنية خالصة.

​السد العالي.. مشروع قومي غيّر وجه التنمية

​يُعد بناء السد العالي في أسوان هندسة وإرادة مصرية خالصة، وأحد أعظم المشروعات الهندسية والإنشائية في القرن العشرين. استهدف المشروع تنظيم مياه نهر النيل، حماية البلاد من أخطار الفيضانات المدمرة وموجات الجفاف الطويلة، فضلًا عن توليد طاقة كهربائية هائلة دعمت مسيرة الصناعة والزراعة في ربوع الجمهورية.

​وقد لعب السد العالي دورًا محوريًا في حماية الأمن المائي والاقتصادي لمصر لعقود طويلة، وبات رمزًا للأمل والقدرة المصرية على إنجاز المعجزات التنموية.

​الصحة والخدمات العامة.. توسيع دور الدولة

​شهدت مرحلة ما بعد الثورة تحولًا جذريًا في فلسفة دور الدولة، لتتحول من حارس إلى صانع ومسؤول مباشر عن تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، وفي مقدمتها الرعاية الصحية، مياه الشرب النقية، الكهرباء، والإسكان الاجتماعي.

​انتشرت الوحدات الصحية والمستشفيات الريفية في مختلف القرى والمحافظات لأول مرة في تاريخ مصر، لتخفيف المعاناة عن الكتل الشعبية المهمشة ورفع متوسط عمر وصحة المواطن المصري.

​الثقافة.. نشر المعرفة خارج العاصمة

​لم تقتصر منجزات الثورة على الجوانب الاقتصادية والسياسية، بل امتدت بعمق إلى المجال الثقافي والتنويري؛ إذ أُنشئت الهيئة العامة للكتاب، وقصور الثقافة في المحافظات والأقاليم، المسارح، ودور السينما الشعبية، بهدف إتاحة الفنون والمعارف لجميع شرائح المجتمع وعدم حصرها في العاصمة وحدها.

​لعبت المؤسسات الثقافية دورًا رياديًا في نشر الوعي الوطني والقومي، ودعم الإنتاج الأدبي، السينمائي، والموسيقي الذي عبر بصدق عن هموم وتطلعات الإنسان المصري والعربي.

​السياسة الخارجية.. مصر في قلب حركة التحرر العالمي

​تجاوزت التأثيرات الكبرى لثورة 23 يوليو الجغرافيا المصرية، لتصبح القاهرة منارة عالمية لحركات التحرر الوطني في قارتي أفريقيا وآسيا.

​تبنت القيادة المصرية سياسة تضامن واسعة مع الشعوب المناضلة ضد الاستعمار، ولعبت دورًا تأسيسيًا وبارزًا في إطلاق "حركة عدم الانحياز" إلى جانب دول مثل الهند، يوغوسلافيا، وإندونيسيا، لترفض الانصياع لمعسكرات الحرب الباردة. وفي المحيط العربي، غدت مصر درع وسند القضايا العربية العادلة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

​حصيلة التحول.. منجزات كبرى في مسيرة الوطن

​يمكن إيجاز الحصيلة الكبرى لثورة 23 يوليو في حزمة من التحولات الجذرية التي غيرت وجه مصر، وتتلخص فيما يلي:

  • ​الانتقال السلمي والجذري من النظام الملكي إلى النظام الجمهوري.
  • ​تحقيق الاستقلال الوطني التام وإنجاز الجلاء البريطاني.
  • ​القضاء على الإقطاع وتطبيق قانون الإصلاح الزراعي بنجاح.
  • ​ترسيخ مبادئ العدالة الاجتماعية وتوسيع قاعدة المستفيدين من ثروات الوطن.
  • ​دعم الطبقة الوسطى والعمال والفلاحين وتمكينهم سياسيًا واجتماعيًا.
  • ​منح المرأة حقوقها السياسية الكاملة وبدء عهد تمكينها.
  • ​تعميم مجانية التعليم في كافة مراحله وتوسيع قاعدته.
  • ​بناء قاعدة صناعية وتنموية وطنية قوية
  • ​تأميم قناة السويس وإدارتها المصرية.
  • ​إنجاز مشروع السد العالي.
  • ​النهوض بالخدمات الصحية والاجتماعية في الأقاليم والريف.
  • ​الدعم الفاعل لحركات التحرر الوطني الإقليمي والعالمي.
  • ​تعزيز الدور الإقليمي والدولي لمصر وجعلها قطباً مؤثراً.

​الثورة بين الإنجازات والتحديات.. قراءة تاريخية موضوعية

​مع أهمية وعظمة الإنجازات التي ارتبطت بثورة يوليو، فإن قراءة التجربة التاريخية بصورة موضوعية تقتضي الاعتراف بأن المرحلة شهدت أيضًا تحديات وصعوبات.

​فعلى الصعيد السياسي، اتسمت المرحلة بفرض قيود على التعددية الحزبية، وتم تأسيس نظام "التنظيم السياسي الواحد" (هيئة التحرير، ثم الاتحاد القومي، ثم الاتحاد الاشتراكي العربي) كأداة وحيدة للعمل السياسي، وهو ما مثل أحد الانتقادات الرئيسية الموجهة لطبيعة النظام السياسي في تلك الحقبة فيما يتعلق بمساحة المشاركة الديمقراطية.

​كما واجه الاقتصاد المصري تحديات هيكلية جسيمة نتيجة التحولات الاشتراكية السريعة والتوسع في دور الدولة، وتعرضت بعض سياسات التأميم والإدارة البيروقراطية لتقييمات نقدية متباينة على المدى الطويل.

​لكن هذه الجوانب لا تلغي بحال من الأحوال حقيقة أن الثورة شكلت تحولًا تاريخيًا عميقًا، وأنه يجب تقييمها في سياق ظروف مصر والمنطقة والعالم خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين، وهي حقبة اتسمت بالصراع المحتدم واستقطاب الحرب الباردة وضغوط التحرر الوطني.

​من الجمهورية الأولى إلى الجمهورية الجديدة

​بعد أكثر من سبعة عقود على ثورة 23 يوليو، لا تزال ذكراها العطرة حاضرة بقوة في الوعي الوطني المصري، باعتبارها نقطة الارتكاز الأولى في مسيرة الدولة المصرية الحديثة.

​وقد عكست إشارات القيادة السياسية المصرية في مناسبات عدة تقديرًا عميقًا لدور الثورة التاريخي في ترسيخ قيم الاستقلال، الكرامة، والعدالة، مع التأكيد على ضرورة استخلاص الدروس والعبر من نجاحاتها وإخفاقاتها على حد سواء لبناء المستقبل.

​من هذه الزاوية، تُقرأ مسيرة الدولة المصرية كسلسلة متصلة الحلقات؛ فقد تأسست "الجمهورية الأولى" على أيدي أحرار يوليو، وتطورت مؤسسات الدولة وتغيرت أدواتها عبر العقود، وصولًا إلى مساعي بناء "الجمهورية الجديدة" التي ترتكز اليوم على التنمية المستدامة، البنية التحتية العملاقة، التحول الرقمي، والتحديث المؤسسي الشامل، ورغم اختلاف الأدوات والسياسات الزمنية، يظل الهدف الثابت هو بناء دولة وطنية قوية قادرة على حماية قرارها وتوفير حياة كريمة لمواطنيها.

​في الختام

​ستظل ثورة 23 يوليو 1952 علامة فارقة وفصلاً أساسيًا في حكاية مصر الحديثة ومحطة لا يمكن تجاوزها عند قراءة مسيرة الجمهورية المصرية من بداياتها الأولى وحتى طموحات الجمهورية الجديدة. لقد نقلت البلاد من عهد التبعية والاستبداد إلى أفق الجمهورية والسيادة، ووضعت قضايا الإنسان المصري على رأس أولوياـت المشروع الوطني.

​إن التاريخ لا يُقرأ فقط لاستعادة أمجاد الماضي، وإنما لفهم الحاضر واستشراف آفاق المستقبل؛ ومن هنا تبقى دروس ثورة يوليو حية تلهم الأجيال المتعاقبة بأهمية استقلال القرار الوطني، العدالة الاجتماعية، والاستثمار الفاعل في طاقات الإنسان، لمواصلة مسيرة البناء والتنمية بثبات وعزيمة لا تلين.